محمد أبو زهرة

204

المعجزة الكبرى القرآن

وتفيد مع ذلك بطريق الإشارة ، والنتائج التي تكون ثمرة لهذا النص أو طريقا لتنفيذها : أولا : أنه لا بد أن يكون اختيار الحاكم أو الخليفة برضا المسلمين فلا تصح الخلافة إلا باختيار المسلمين ورضاهم ، ولذلك كانت البيعة في الإسلام . وتفيد ثانيا : أنه لا ينفذ حكم أو قانون إلا إذا أقرته جماعة المسلمين ، أو الصفوة المختارة منهم . وتفيد ثالثا : أنه لا بد من وجود جماعة مختارة من الشعب اختيارا أساسه الحرية والرضا ، يكون عملها مراقبة الحكام ، والنظر بعين فاحصة في أعمالهم ، وألا يسن قانون إلا برأيهم ، فكل هذه لوازم لتحقيق معنى الشورى وتنفيذه . وتفيد رابعا : أن الأعمال الفنية كقيادة الحرب والصناعة ، تكون تحت رقابة على القائمين بها من صفوة مختارة منهم ، يكون عملها التوجيه . وهكذا تثبت هذه الأمور كنتائج لتنفيذ الأمر بالشورى . وإن دلالة العبارات التي يمكن معرفتها بالسنة واللغة هي المفاتيح لما تومئ إليه ، فلا يمكن أن تعرف أسرار القرآن الكريم إلا إذا عرفت المعاني الأولى ، وإن معرفة ما تومئ إليه ألفاظ القرآن من إشارات لا يكون إلا بعد الدخول إلى الساحة العليا ، والارتفاع بالعقل إلى المدركات الإنسانية ، ولذلك يقول الغزالي رضى اللّه عنه : « إن معرفة السنة واللغة هي المفتاح الذي يدخل منه العالم إلى علوم القرآن ، وفيه علم كل شئ يتعلق بالشرائع والنفس الإنسانية ، وعلاج أدوائها ، واليوم الآخر ، وما أخبرنا به العزيز الحكيم علام الغيوب » . 4 - نظم القرآن وفواصله 119 - تكلمنا في ماضي قولنا في وصف عام لبلاغة القرآن وتكلمنا في ألفاظه ، وبينا بشواهد الآيات أن كل كلمة لها صورة بيانية في السياق الذي سيقت له ، ثم تكلمنا عن الأسلوب ، وذكرنا مستشهدين بالآيات البينات أن كل كلمة لقف مع أختها ، ويتكون من مجموع الكلمات المتلائمة المتآخية صورة كاملة للبيان تعطيك صورة بيانية ، كل كلمة تعطيك جزءا منها ، مع كونها في ذاتها صورة بيانية وحدها ، وضربنا لك الأمثال . ثم تكلمنا من بعد على تصريف البيان القرآني ، فبيّنّا كيف كان التصرف في الاستدلال على وحدانية الديان ، وبطلان عبادة الأوثان ، وكيف كان التنويع في البراهين التي يسوقها ، والتي تعلو في دقة الحكم على الأدلة الخطابية ، وتعلو في النسق البياني ، والنغم الموسيقى عن البرهان المنطقي . مع اشتمالها على أدق معناه ، وإن غاير الأشكال .